الزركشي
348
البحر المحيط في أصول الفقه
الثاني قال العراقي في شرح التنقيح المختار في هذه المسألة أن يقال متعبد بكسر الباء على أنه اسم فاعل أي إنه عليه السلام كان كما قيل في سيرته ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقة لا تليق بصانع العالم فكان يخرج إلى غار حراء يتعبد حتى بعثه الله أما بفتحها فيقتضي أن الله تعالى تعبده بشريعة سابقة وذلك يأباه حكايتهم الخلاف هل كان متعبدا بشريعة موسى أو عيسى فإن شرائع بني إسرائيل لم تتعد إلى بني إسماعيل بل كان كل نبي بين موسى وعيسى يبعث إلى قومه فلا تتعدى رسالته قومه حتى نقل المفسرون أن موسى عليه السلام لم يبعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل وليأخذهم من القبط من يد فرعون ولذلك لما جاوز البحر لم يرجع إلى مصر لتعم فيها شريعته بل أعرض عنهم إعراضا كليا وحينئذ لا يكون الله تعالى تعبد نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بشريعتهما البتة فبطل قولنا أنه كان متعبدا بفتح الباء بل بكسرها وهذا بخلاف ما بعد نبوته فإن الله تعالى تعبده بشرع من قبله على الخلاف بنصوص خاصة فيستقيم الفتح بعد النبوة دون ما قبلها وكلام الآمدي يقتضي خلاف ذلك فإنه قال غير مستبعد في العقول أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة من قبله وهذا يقتضي فتح الباء ولم نر لغيره تعرضا لذلك قلت قد وقع ذلك في عبارة غيره كما سبق . الثالث قال إمام الحرمين هذه المسألة لا يظهر لها فائدة بل تجري مجرى التواريخ المنقولة ووافقه المازري والأبياري وغيرهما ويمكن أن يظهر في إطلاق النسخ على ما تعبد به بورود شريعته المؤيدة . المسألة الثانية في أنه هل تعبد بعد النبوة بشرع من قبله صلى الله عليه وسلم أم كان منهيا عنها ؟ . والبحث هنا مع القائلين بالتعبد قبله وأما من نفاه ثم فقد نفاه هاهنا بالأولى على مذاهب : أحدها أنه لم يكن متعبدا بل كان منهيا عنها وحكاه ابن السمعاني عن أكثر المتكلمين وجماعة من أصحابنا ومن الحنفية وهو آخر قولي الشيخ أبي إسحاق كما قاله في اللمع واختاره الغزالي في آخر عمره وقال ابن السمعاني إنه المذهب الصحيح وكذا قال الخوارزمي في الكافي لأنه لما بعث معاذا إلى اليمن لم يرشده بل ذكر له الكتاب والسنة والاجتهاد ونصره الصيرفي في الدلائل قال وأما